خليل الصفدي

267

نكت الهميان في نكت العميان

وغير ذلك ، واجتهد وطلب ، وحصل ، وكتب ، وقيد ، ولم أر في أشياخي أكثر اشتغالا منه ؛ لأنى لم أره إلا وهو يسمع ، أو يشغل ، أو يكتب ، ولم أره على غير ذلك ، وله إقبال على الطلبة الأذكياء ، وعنده تعظيم لهم ، وله نظم ونثر ، وله الموشحات البديعة ، وهو ثبت فيما ينقله ، محرر لما يقوله ، عارف باللغة ضابط لألفاظها ، وأما النحو والتصريف ، فهو إمام الدنيا في عصره فيهما ، لم يذكر معه أحد في أقطار الأرض ، وله اليد الطولى في التفسير والحديث والشروط والفروع ، وتراجم الناس وطبقاتهم وتواريخهم وحوادثهم ، خصوصا المغاربة ، ويقيد أسماؤهم على ما يتلفظون به من إمالة ، وترخيم ، وترقيق ، وتفخيم ؛ لأنهم مجاور وبلاد الفرنج ، وأسماؤهم قريبة منهم وألقابهم كذلك ، كل ذلك قد جرده وحرره وقيده . والشيخ شمس الدين الذهبي له سؤالات سأله عنها فيما يتعلق بالمغاربة وأجابه عنها ، وله التصانيف التي سارت وطارت ، وانتشرت وما انتثرت ، وقرئت ودريت ، ونسجت وما نسخت ، أخملت كتب الأقدمين ، وألهت المقيمين بمصر والقادمين ، وقرأ الناس عليه ، وصاروا أئمة وأشياخا في حياته ، وهو الذي جسر الناس على مصنفات الشيخ جمال الدين بن مالك ، رحمه اللّه ، ورغبهم في قراءتها ، وشرح لهم غامضها ، وخاض بهم لججها ، وفتح لهم مقفلها ، وكان يقول عن مقدمة ابن الحاجب : هذه نحو الفقهاء . والتزم أن لا يقرأ أحدا إلا إن كان في كتاب سيبويه ، أو في التسهيل لابن مالك ، أو في تصانيفه . ولما قدم البلاد لازم الشيخ بهاء الدين بن النحاس ، رحمه اللّه ، كثيرا وأخذ عنه كتب الأدب ، وكان شيخا حسن العمة ، مليح الوجه ، ظاهر اللون ، مشربا بحمرة ، منور الشيبة ، كبير اللحية ، مسترسل الشعر فيها لم تكن كثة ، عبارته فصيحة لغة الأندلس ، يعقد القاف قريبا من الكاف على أنه ينطق بها في القرآن فصيحة ، وسمعته يقول : ليس في هذه البلاد من يعقد حرف القاف . وكانت له خصوصية بالأمير سيف الدين أرغون النائب الناصري ، ينبسط معه ويبيت عنده . ولما توفيت ابنته نضار طلع إلى السلطان الملك الناصر وسأل منه أن يدفنها في بيتها داخل القاهرة ، فأذن له . وكان أولا يرى رأى الظاهرية ، ثم إنه تمذهب للشافعي ، رضى اللّه عنه ، وتولى تدريس التفسير بالقبة المنصورية ، والإقراء بجامع الأقمر ، وقرأت عليه الأشعار الستة ، وكان يحفظها ، والمقامات الحريرية ، وحضرها جماعة من أفاضل الديار المصرية ،